الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تناسلوا من الفئة الذين نجاهم اللّه من الغرق ليتخلص من كونه عظة وعبرة إلى التذكير بأنه نعمة ، وهذا من قبيل الإدماج . وقد بني على شهرة مهلك قوم نوح اعتباره كالمذكور في الكلام فجعل شرطا ل لَمَّا في قوله : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ، أي في ذلك الوقت المعروف بطغيان الطوفان . والطغيان : مستعار لشدته الخارقة للعادة تشبيها لها بطغيان الطاغي على الناس تشبيه تقريب فإن الطوفان أقوى شدة من طغيان الطاغي . و الْجارِيَةِ : صفة لمحذوف وهو السفينة وقد شاع هذا الوصف حتى صار بمنزلة الاسم قال تعالى : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ [ الرحمن : 24 ] . وأصل الحمل وضع جسم فوق جسم لنقله ، وأطلق هنا على الوضع في ظرف متنقل على وجه الاستعارة . وإسناد الحمل إلى اسم الجلالة مجاز عقلي بناء على أنه أوحى إلى نوح بصنع الحاملة ووضع المحمول قال تعالى : فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الآية [ المؤمنون : 27 ] . وذكر إحدى الحكم والعلل لهذا الحمل وهي حكمة تذكير البشر به على تعاقب الأعصار ليكون لهم باعثا على الشكر ، وعظة لهم من أسواء الكفر ، وليخبر بها من علمها قوما لم يعلموها فتعيها أسماعهم . والمراد ب أُذُنٌ : آذان واعية . وعموم النكرة في سياق الإثبات لا يستفاد إلا بقرينة التعميم كقوله تعالى : وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ الحشر : 18 ] . والوعي : العلم بالمسموعات ، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي ، أي من شأنها أن تعي . وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان والسفينة التي نجا بها المؤمنون فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية . [ 13 - 18 ]